يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

190

النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه

هذا باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال وقع فيه الأمر . . وذلك قولك : قتلته صبرا ، ولقيته كفاحا ، ورأيته ركضا وعدوا ومشيا . اعلم أن مذهب سيبويه في قولك : أتيت زيدا مشيا وقتلته صبرا ، وما كان مثله أن المصدر في موضع الحال ، كأنه قال : أتيته ماشيا ، وقتلته مصبورا ، إذا كان حالا من الهاء . وإن كان من التاء فتقديره صابرا ، والصبر هنا : الحبس على القتل وليس بقياس مطرد لأنه شيء وضع في غير موضعه . وكان أبو العباس يجيز هذا من كل شيء يدل عليه الفعل ، فأجاز : أتانا سرعة ، وأتانا رجلة ، ولم يجز أتانا ضربا ، ولا أتانا ضحكا ؛ لأن هذا ليس من ضروب الإتيان ، والسرعة والرجلة من ضروب الإتيان . وكان يقول : إن نصب " مشيا " إنما هو بالفعل المقدر كأنه قال : " أتانا يمشي مشيا " . وكان الزجاج يذهب إلى تصحيح قول سيبويه أنه على الحال وهو الصواب ؛ لأن قول القائل : أتانا زيد مشيا ، يصح أن يكون جوابا لقائل قال : كيف أتاكم زيد ؟ ولو كان على ما قاله المبرد - إن الناصب للمصدر : الفعل المضمر ، وإن ذلك الفعل في موضع الحال - لجاز أن يقول : أتانا زيد المشي وهو لا يجيز هذا . وعلى قياسه يلزمه ، وذلك أن الفعل يعمل في مصدره معرفة ونكرة . وأنشد لزهير : * فلأيا بلأي ما حملنا وليدنا * على ظهر محبوك ظماء مفاصلة " 1 " فالتقدير فيه : فلأيا بلأي حملنا " وما " زائدة ولأيا : بطئا وجهدا ، وهي في موضع الحال ، كأنه قال : حملنا وليدنا مبطئين وجاهدين ، ويقال : التأت عليه الحاجة : إذا بطأت . والمحبوك : الشديد الخلق . والظماء : القليلة اللحم الضئيلة ، يعني قوائمه ومفاصله . وأنشد أيضا : * ومنهل وردته التقاطا " 2 " أي فجأة ، وتقديره : ملتقطة . وهذا باب منه في الألف واللام وذلك قولك : أرسلها العراك وقال لبيد : * فأرسلها العراك ولم يذوها * ولم يشفق على نغص الدخال " 3 "

--> ( 1 ) ديوان زهير 52 ، شرح الأعلم 1 / 186 ، شرح النحاس 159 ، شرح السيرافي 516 / 3 . ( 2 ) شرح الأعلم 1 / 186 ، شرح النحاس 159 ، شرح السيرافي 3 / 165 . ( 3 ) ديوان لبيد 86 ، شرح السيرافي 3 / 165 ، شرح ابن السيرافي 1 / 20 .